سميح عاطف الزين

520

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وكان الليل في هزيعه الأخير ، عندما خرج المسلمون من دارتهم العامة من بيت أبي الأرقم ليعود الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى دارته ، فيقوم الليل ساهرا ، مصلّيا ، متهجّدا . . يقرأ القرآن ، وهو راضي النفس ، عما اعتزمه ، وصمّم على تنفيذه . لقد أعاد على أذهان الصحابة الأبرار ، وعلى مدار ساعات طويلة ، كلّ ما ينير سبلهم ، ويسدّد خطاهم ، ويرشدهم إلى الطريق المستقيم . فلم يجدهم إلّا دعاة حقيقيين ، قادرين على إظهار أمر اللّه تعالى . لقد توطّد الفكر الإسلامي في نفوسهم ، حتى غدا هذا الفكر قوة منيعة ، قابلة للتطبيق في معترك الحياة ، وصارت لديهم القوة على نشر الدعوة ، والاستعداد للتضحية في سبيلها . . وتلك الحقائق كانت من أكبر الدوافع على عزم الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعدم الاستمرار في الوضع الراهن ، وعدم البقاء على التكتل السري . فقد بات واضحا أنّ الدعوة قد اجتازت مرحلة الإعداد ، وآن لها أن تنطلق ، لأن نقطة الانطلاق ما هي في الحقيقة إلا مرحلة الكفاح الفكري ، والتفاعل الحضاري والصبر على الأذى . وكان أذى المشركين قد اشتد على الصحابة في هذه المرحلة إلى درجة دفعت عبد الرحمن بن عوف أن يأتي إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومعه بعض الصحابة يستأذنونه باستعمال السلاح قائلين : يا نبي اللّه ، كنا في عزة ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة ؟ ! فمنعهم الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله : « إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم » « 1 » . . هكذا كانت الحالة التي أدت إلى انطلاقة الدعوة . .

--> ( 1 ) رواه النسائي والحاكم وابن أبي حاتم . كتاب الدعوة إلى الإسلام . كتاب الوعي رقم 3 ، أحمد المحمود .